كما ذكرت في التدوينة السابقة فقد ذهبت في رحلة لمدة أسبوع إلى مدينة (لوس أنجلوس) مروراً بـ(لاس فيغاس). وإليكم بعضاً مما حدث:
محطتنا الأولى كانت (لاس فيغاس) والتي مكثنا بها يوما واحدا. وصلناها ليلاً، وأنا بالطائرة كنت أراها تحتي بقعة ضوئية صغيرة في وسط صحراء نيفادا الشاسعة المظلمة. قرأت عن تاريخها وكيف أنشأت، ولكنني ما زلت متعجبا لم يتفق الناس عليها ولم لا يبحثون لهم عن مدينة أخرى ذات طبيعة ومناخ أفضل.
مدينة (لاس فيغاس) حصلت على لقب (مدينة الخطايا) بكل جدارة. ولو جعلوني عمدة للمدينة لوضعت لوحة عند مدخلها مكتوب عليها باللون الأحمر “شعارنا: أيقظ الشيطان الذي بداخلك!“. المدينة مليئة بالفنادق الفخمة، يحتوي كل واحد منها على كازينو قد تم ملئه بجميع أنواع ألعاب المقامرة حتى تلبي رغبات الجميع. ولذلك فإن أسعار الفنادق رخيصة جدا لأنهم سيحصلون على أموال السذّج لاحقا
ولكن ولكثرة الفنادق فإن (لاس فيغاس) تشتهر أيضا بالعروض المتنوعة الجميلة. كنّا قد خططنا لمشاهدة أحد عروض Cirque du Soleil الشهيرة، ولكن لسوء الحظ لم نجد أيا منها في ذلك اليوم. فقررنا بعد ذلك أن نحضر عرض الثنائي الجميل Penn & Teller، وكان ذلك. استمعت جدا بعرضهم، وتمكنت من التقاط صورة معهم بعد انتهاء العرض.
وفي تلك المدينة تناولنا وجبة الغداء بمطعم “Texas de Brazil”. أعجبتني فكرته جدا، حيث أنه بنظام البوفيه المفتوح ولكنك لا تذهب لجلب الطعام، بل هو من يأتي إليك. مما يجعله مشروعاً ناجحا بالسعودية . بإمكانك مشاهدة مقطع الفيديو الذي قمت بتصويره من هنا.
أما (لوس أنجلوس) فمكثنا فيها أربعة أيام. زرنا هوليوود و(يونيفيرسال ستوديوز)، ورأينا كيف يتم إنشاء حيّ بأكمله لتصوير مسلسل واحد. أو كيف يتم قص طائرة (بوينغ) ضخمة لتستخدم في مشهد بفيلم. إبداعات هوليوود لا تأتي بالموهبة فقط، بل تأتي بعمل وجهد مذهلين.
وفي (لوس أنجلوس) جربت السباحة بالمحيط لأول مرة. اكتشفت أن مياه المحيط باردة حتى لو كان الجو حاراً. ولكن برودة المياه سرعان ما تختفي بعد أول خمس دقائق من السباحة. فالأمواج العاتية تجعل من السباحة متعة لا توصف. بعد ساعات من اختراق الأمواج، وركوبها، وصفعها لنا أحياناً توقفنا منهكين جدا. خرجت وأنا أقول في نفسي متحسراً “الناس وصلوا المحيط واحنا نتهاوش على خليجنا هو عربي ولا فارسي”.
أما آخر مغامرات رحلتنا، والتي تأتي من عنوان هذه التدوينة فقد كانت القفز من على الجسر! لا أستطيع أن أصفها لكم، لذا أترككم مع الفيديو:
بدأت القصة يوم 2006/1/1 عندما وطأت قدماي الأراضي الأمريكية لأول مرة، وأذكر أني في ليلة ذلك اليوم وضعت رأسي على السرير وأنا أحدث نفسي: طلال انت من جدك في أمريكا؟
تلا ذلك ثلاث سنوات ونصف من الجد واللعب والحب ربما؟ ثم مزيدا من الجد واللعب أيضا. كانت سياستي أن أجعل منها تجربة ممتعة أتذكرها بشوق، وأظنها كانت كذلك.
أما اليوم فهو حفل تخرجي، وفيه تنتهي الحدوتة. لتبدأ بعدها حواديت لم تتضح لي معالمها بعد، قد يسوء ذلك دعاة التخطيط ورسم الأهداف ولكن حالتي هذه تسعدني.
سأذهب غدا في رحلة سياحية -وداعية- إلى لوس أنجلوس لمدة أسبوع. لذا سأنقطع خلالها عن الانترنت، ولكنّي سأحرص على أن أجلب معي ما أستطيع من الصور والفيديو.
وصلتني رسالة من مركز عاصمة الولاية تفيدني بأن علي الذهاب إلى مركز استخراج الرخص ليقوموا بإعادة تقييمي إن كنت جديرا بالقيادة أم لا، وذلك لكثرة المخالفات التي احتسبت ضدي. وقبل أن تتسرع بالحكم علي وتصنفني من ضمن الشباب السعودي -الطائش- الذي يقطع الإشارات الحمراء، ويقوم بعملية دوران يسارية من أقصى اليمين، ثم يجعل من كتف الشارع صدراً له يسير به بسرعة تتمنى بسببها السيارة أن لو لم تكن قد خلقت .. أقول قبل أن تحكم علي بكل ذلك -ولك كل الحق إن كنت قد سرت بأحد طرق الرياض لنصف ساعة- دعني أبين لك ماهي المخالفات التي حصلت عليها واستحقت ذلك الاستدعاء. منذ أن قدمت إلى أمريكا عام 2006 تحصلت على ثلاثة مخالفات هنّ كالتالي:
عام 2006: كنت أقود السيارة بسرعة 40 ميلا في شارع سرعته المحددة 30 ميلا. أوقفني رجل المرور للعشرة أميال التي استمتعت بها، ومخالفة سرعة.
عام 2007: كانت الساعة قرابة الواحدة فجراً، وكنت أسير في شارع فرعي لا يوجد به مخلوق واحد في ذلك الوقت، وصادفتني لوحة “قف” -كالتي كنت تشاهدها في (الأمن والسلامة)- فخففت من السرعة إلى قرابة الوقوف وتأكدت من عدم وجود أي مركبة أو عابر للطريق ثم واصلت بالقيادة لأتفاجأ بالأنوار العالية لسيارة الشرطة من خلفي تطلب مني الوقوف -على جنب-. بالطبع أوضح لي رجل المرور أن علامة “قف” لا تعني “تقريبا قف”!
عام 2009: كنت مسافرا وأسير بسرعة 70 ميلا. بعد 8 ساعات من القيادة، ونصف ساعة للوصول إلى مدينتي دخلت إلى أحد القرى القاطعة للطريق ولم أخفف من السرعة حتى توافق السرعة المحددة ليكون رجل المرور أول المهنئين بسلامة الأسفار ومعها مخالفة شكر وتقدير.
كانت تلك هي المخالفات الثلاث. والتي بالمناسبة كانت تعطى إلي بكل احترام وأدب من رجل المرور، وكانوا جميعهم يختمون قولهم بأن من حقي أن أرفضها وبأن أمثل أمام القاضي وأوضح له كيف أخطأ رجل المرور ولماذا لا أستحق المخالفة. عموما، ذهبت في الموعد المحدد إلى مركز استخراج الرخص ووجدت الموظف المسؤول بمقابلتي بانتظاري. رحب بي وأدخلني إلى مكتبه، ثم أجلسني على الكرسي المقابل له وقال لي: الآن أخبرني عن قصة كل مخالفة. أخبرته بما ذكرته لكم أعلاه وكيف أنني كنت وما زلت سائقا مطيعا لأنظمة المرور ولكنها الهفوات الصغيرة التي توقع بي. نظر إلي وسألني: فيما تستخدم السيارة؟ فأجبته بأنني أستخدمها للذهاب إلى الجامعة وفي شراء طعامي وحاجياتي الخاصة. فقال لي: حسنا سنلغي رخصتك الحالية وسنعطيك رخصة مؤقتة تخولك بالقيادة إلى الجامعة فقط! ولك في يوم السبت فرصة من الساعة السابعة والنصف صباحا حتى الخامسة مساءاً للتبضع. نظرت إليه متفاجأً مصدوما وأجبته بسرعة: ولكنني أعزب! ويبدو أنه لم يفهم ما علاقة حالتي الاجتماعية بقيادة السيارة، فأوضحت له بأنني أعزب ولا أطبخ بالبيت وغدائي اليومي إما من ماكدونالدز أو كنتاكي، فكيف لي أن أعيش بدون طعام؟ أعتقد أن إجابتي كانت مفاجأة له من نواحي عدة. على كل حال رأف بي الموظف المسؤول وأخبرني بأنه سيسمح لي بالقيادة من الـ7:30 صباحا حتى الـ9:30 مساءاً لكل أيام الأسبوع. أخذ رخصتي وقطعها وأرجعها إلي، ثم أعطاني ورقة توضح بأنني مخوّل بالقيادة بالفترة المحددة ولمدة ثلاثة أشهر إذا لم أحصل خلالها على مخالفة أخرى فسيتم إعطائي رخصة جديدة بدون مقابل. ثم ختم كلامه بأن من حقي الاعتراض على حكمه عند القاضي. بدأت أتسائل لم يتلهف القاضي هنا على رؤيتي بينما هناك قد يطردني لأنني لم أضع على رأسي غترة؟
طردت تلك الأفكار الشيطانية، وخرجت من مكتبه وبيدي تلك الورقة ورخصتي المقطوعة .. وقد .. كنت .. سعيداً! نعم مع تقييد حريتي في القيادة إلا أنني شعرت بأن هذا ما قد أحتاج إليه. قد لا أعد نفسي متهوراً طائشاً، ولكن تلك الأمور “البسيطة” التي أتجاهلها قد تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه. ثم إن الجانب الآخر من سعادتي هو شعوري بأنني أسير مع التيار. فكما يقف من هو أمامي عند إشارة “قف”، أقف أنا من بعده. وعندما أقود في حدود السرعة القانونية لا أعتدي على حق أحد أو أجد من يضايقني لأفسح له الطريق ليسير بسرعته العالية. يتفق الرقم الذي أراه في عدّاد سيارتي مع رقم عدّاد السيارة التي بجانبي مع الرقم الذي أراه في لوحة السرعة القانونية. نعم هو “التناغم” الذي أفتقده في بلدي.
.
وطالما أننا في سيرة السيارات والطرق، فقد اكتشفت مؤخرا أن جوجل قد قامت بتحديث بيانات خدمة Street View التابعة لـ Google Maps، وقد أصبحت مدينتنا متوفرة للمشاهدة. قمت فورا بالتوجه إلى عنوان شقتي لأرى هذا المنظر الجميل :