قبيل عودتي من أمريكا كنت حائراً بين فكرتين، أن أكمل دراستي وأحصل على درجة الماجستير أو أن اكتفي بما حصلت عليه وأبدأ في البحث عن وظيفة. كلما أطلت التفكير فيها ازدادت حيرتي معها، والتفكير في المستقبل لذيذ ولكنه غامض مخيف. فالقرارات التي تتخذها مهما صغرت قد يكون لها تغيير جذري في حياتك. والعقل البشري لا يملك الإمكانيات التي تحدد له بدقة حال مستقبله، بل أقصى ما يستطيع فعله هو تقديم التخمينات.
عدت من أمريكا، وطلبت لنفسي فترة راحة كنت قد خططت لها بأن تستمر لمدة ثلاثة أشهر. أثناءها كُسر لي ضرس كانت قد عملت عليه طبيبة عجوز -أحب أن ألقبها بـ”الجزّارة”- ولم تنتهي منه. والحق أنني لم أرغب بالعودة إليها بعد أن فعلت في فمي الأفاعيل. أصبحت وأنا هنا أتأمل ضرسي المكسور الذي شاء له القدر أن يرتبط مصيره بمصيري وقد بقى منه نصفه معلّقاً، من سيصلحك يا ضرسي العزيز؟ هل هي الشركة التي سأعمل بها، أم الدولة التي ستبتعثني؟ هل ستسعد بطحن المثلوثة والمندي والمشاوي والمحاشي، أم أن طحنك سيكون سريعاً على ساندويتشات المأكولات الأمريكية السريعة؟
بعد تفكير واستخارة قررت أن أختار الدراسة، فكان أن أنهيت الإجراءات المتعلقة بالابتعاث وتقدمت بطلب لتجديد الفيزا الأمريكية والتي أجريت المقابلة الخاصة بها قبل الشهرين تقريباُ على أمل أن أحصل عليها بعدها بفترة بسيطة. ولكن الرياح جرت على عكس ما أريد، فطالت فترة الانتظار وزاد معها توتري. وبدأت أشعر بالاحراج حينما يأتيني السؤال الدوري “هاه وين توظفت؟” لأجيب بأنني لم أتقدم إلى وظيفة بعد، لتختلف ردود الفعل حينها بين مصدق ومكذب ومتعجب لكسلي.
مرت الأيام وتأكد لي بأنني باقٍ هنا، خصوصاً وأن الدراسة ستبدأ الأسبوع القادم. فبدأت بالاستعداد النفسي والفكري للمرحلة القادمة والتي قد تطول من أربعة إلى ثمانية أشهر حتى الفصل الدراسي التالي. ولكن مرة أخرى تفاجأني “الرياح” فتأتيني رسالة تخبرني بأن الفيزا قد أصدرت. استلمتها على عجالة وذهبت بها إلى الوزارة لأنهي إجراءات الابتعاث واستلم تذكرتي ليتبقى لي يومان فقط أستعد بهما للسفر بمستلزماته. وهي مهمة صعبة جداً لمن استمرأ الراحة طوال ستة أشهر كاملة.
ستكون دراستي هذه المرة بمدينة دالاس بولاية تكساس، وهي التي تقع في الجهة المقابلة لمدينتي السابقة، فبعد أن كنت في أقصى الشمال أصبحت الآن في أقصى الجنوب. وهكذا يكون التطرف.
إذا لم يغلبني النعاس وتفوتني الرحلة، أو أصادر عند الحدود الأمريكية، أو أغتال من قبل أحد عنصريي تكساس، أو أقع في غرام فتاة لاتينية لاكتشف لاحقاً أنها عميلة للموساد، أو أحصل على درجات كاملة في جميع المواد فتقوم وكالة ناسا بعمل “غسيل مخ” لي لتستفرد بتلك الموهبة العربية .. إذا لم يحصل أيّاً من ذلك فيمكنني أن أقول مطمئناً بأن الثلاث سنوات القادمة ستكون ممتعة. هذا بعد إصلاح ضرسي المكسور بالطبع.
نحن معتادون مع كل مناسبة أن نستقبل مئات رسائل التهنئة، وأن تستقبل معها خزائن شركات الاتصالات آلاف الآلاف من الريالات. لا علاقة لي بما تربحه تلكم الشركات ولا بما يستقبله جهازك، ولكني أتوجه بحديثي لك أنت فمن فضلك ضع جوالك جانبا وأعطني من وقتك دقيقة واحدة فقط .. أو خمس دقائق إذا كنت بطيء القراءة.
جرت العادة منذ قديم الزمان أن يتزاور الناس ليهنئوا بعضهم البعض. ثم مع التقنية الحديثة ودخول أجهزة الهاتف أصبحوا يتهاتفون ليزفوا تهانيهم. ثم أصبح لدينا ما يعرف بالهواتف الجوالة، فصار من غير اللازم أن يمكث المرء في بيته ليهاتف غيره، بل بإمكانه الآن أن يهاتفهم وهو بسيارته ويهنئهم بهذه المناسبة أو تلك. كل هذا تطور طبيعي إيجابي، يساعد على التواصل بين الناس بشكل جميل، ولكن ما حدث بعد ذلك هو المشكلة. أعتقد أنك عرفت ما أود أن أصل إليه .. إنها رسائل الجوّال!
في كل ما سبق كان الهدف من التهنئة هو إشعار المستقبل باهتمامك، وإيصال مشاعرك الخاصة تجاهه. لكن إليك هذا السيناريو المتكرر سنويا وأخبرني ماذا ينقصه:
يستيقظ خالد من النوم ليجد جوّاله وقد امتلأ برسائل التهنئة. يمر عليها سريعا، يعجب بقليل منها ويحذف الباقي. يختار خالد رسالة واحدة ثم يطلب إعادة إرسالها، وعند اختيار اسماء المستقبلين يقوم خالد باختيار الكل ويضع جوّاله جانبا حتى ترسل الرسالة إلى كل المستقبلين. ثم يعود خالد إلى النوم.
حسناً قد لا يكون اسمك خالد، ربما محمد أو سعد أو فاطمة. وقد لا تكون ممن يرسل رسائل تهنئته بين شوطين من النوم، قد ترسلها وأنت تشاهد التلفاز أو تحتسي قهوتك أو أثناء الانتظار عند الحلاّق. لكن العنصر المفقود في رسائل الجوال والذي كنت تجده في وسائل التواصل القديمة هو “الحميمية“. ففي السابق كانت تهنئتك لخالتك تختلف عن تهنئتك لعمك أو زميل دراستك. كل شخص منهم كنت ستخصه بلمسة خاصة تناسبه وتشعره باهتمامك به. بينما ما تقوم به الآن بإرسالك لرسائل الجوال هذه هو مجرد نقل كلام رجل آخر قد لا تعرفه.
ماذا أريد بالضبط؟ كل ما أتمناه هو أن نعود إلى الحميمية التي كانت تغشانا عند تهنئتنا لبعضنا البعض. ذلك الإحساس اللطيف الذي كنا نشعر به عندما ننتهي من المكالمة ثم نجهز الرقم التالي الذي سنتصل به. أما إن كنت ترى في حديثي رجعية، وأن متطلبات العصر الحالي لا تسع للإنسان أن يتصل بكل معارفه، فعلى الأقل اجعل رسالتك خاصة لكل شخص. ضع اسمه في صدر رسالتك وأجعله يؤمن أنك قصدته وحده بتلك الرسالة وأنه لم يكن مجرد رقمٍ بين عشرات الأرقام الأخرى التي أرسلت إليها دفعة واحدة.
بعد ذلك كله إن كنت ما زلت ترى بأن ذلك صعب التحقيق، وأن الواقع المعاصر يحتم على الانسان أن لا يستهلك أكثر من خمس دقائق في تهنئة معارفه، فأرجوك وفّر “قريشاتك” ولا ترسل لي تهنئتك واعتبرها وصلت.
كما ذكرت في التدوينة السابقة فقد ذهبت في رحلة لمدة أسبوع إلى مدينة (لوس أنجلوس) مروراً بـ(لاس فيغاس). وإليكم بعضاً مما حدث:
محطتنا الأولى كانت (لاس فيغاس) والتي مكثنا بها يوما واحدا. وصلناها ليلاً، وأنا بالطائرة كنت أراها تحتي بقعة ضوئية صغيرة في وسط صحراء نيفادا الشاسعة المظلمة. قرأت عن تاريخها وكيف أنشأت، ولكنني ما زلت متعجبا لم يتفق الناس عليها ولم لا يبحثون لهم عن مدينة أخرى ذات طبيعة ومناخ أفضل.
مدينة (لاس فيغاس) حصلت على لقب (مدينة الخطايا) بكل جدارة. ولو جعلوني عمدة للمدينة لوضعت لوحة عند مدخلها مكتوب عليها باللون الأحمر “شعارنا: أيقظ الشيطان الذي بداخلك!“. المدينة مليئة بالفنادق الفخمة، يحتوي كل واحد منها على كازينو قد تم ملئه بجميع أنواع ألعاب المقامرة حتى تلبي رغبات الجميع. ولذلك فإن أسعار الفنادق رخيصة جدا لأنهم سيحصلون على أموال السذّج لاحقا
ولكن ولكثرة الفنادق فإن (لاس فيغاس) تشتهر أيضا بالعروض المتنوعة الجميلة. كنّا قد خططنا لمشاهدة أحد عروض Cirque du Soleil الشهيرة، ولكن لسوء الحظ لم نجد أيا منها في ذلك اليوم. فقررنا بعد ذلك أن نحضر عرض الثنائي الجميل Penn & Teller، وكان ذلك. استمعت جدا بعرضهم، وتمكنت من التقاط صورة معهم بعد انتهاء العرض.
وفي تلك المدينة تناولنا وجبة الغداء بمطعم “Texas de Brazil”. أعجبتني فكرته جدا، حيث أنه بنظام البوفيه المفتوح ولكنك لا تذهب لجلب الطعام، بل هو من يأتي إليك. مما يجعله مشروعاً ناجحا بالسعودية . بإمكانك مشاهدة مقطع الفيديو الذي قمت بتصويره من هنا.
أما (لوس أنجلوس) فمكثنا فيها أربعة أيام. زرنا هوليوود و(يونيفيرسال ستوديوز)، ورأينا كيف يتم إنشاء حيّ بأكمله لتصوير مسلسل واحد. أو كيف يتم قص طائرة (بوينغ) ضخمة لتستخدم في مشهد بفيلم. إبداعات هوليوود لا تأتي بالموهبة فقط، بل تأتي بعمل وجهد مذهلين.
وفي (لوس أنجلوس) جربت السباحة بالمحيط لأول مرة. اكتشفت أن مياه المحيط باردة حتى لو كان الجو حاراً. ولكن برودة المياه سرعان ما تختفي بعد أول خمس دقائق من السباحة. فالأمواج العاتية تجعل من السباحة متعة لا توصف. بعد ساعات من اختراق الأمواج، وركوبها، وصفعها لنا أحياناً توقفنا منهكين جدا. خرجت وأنا أقول في نفسي متحسراً “الناس وصلوا المحيط واحنا نتهاوش على خليجنا هو عربي ولا فارسي”.
أما آخر مغامرات رحلتنا، والتي تأتي من عنوان هذه التدوينة فقد كانت القفز من على الجسر! لا أستطيع أن أصفها لكم، لذا أترككم مع الفيديو:
بدأت القصة يوم 2006/1/1 عندما وطأت قدماي الأراضي الأمريكية لأول مرة، وأذكر أني في ليلة ذلك اليوم وضعت رأسي على السرير وأنا أحدث نفسي: طلال انت من جدك في أمريكا؟
تلا ذلك ثلاث سنوات ونصف من الجد واللعب والحب ربما؟ ثم مزيدا من الجد واللعب أيضا. كانت سياستي أن أجعل منها تجربة ممتعة أتذكرها بشوق، وأظنها كانت كذلك.
أما اليوم فهو حفل تخرجي، وفيه تنتهي الحدوتة. لتبدأ بعدها حواديت لم تتضح لي معالمها بعد، قد يسوء ذلك دعاة التخطيط ورسم الأهداف ولكن حالتي هذه تسعدني.
سأذهب غدا في رحلة سياحية -وداعية- إلى لوس أنجلوس لمدة أسبوع. لذا سأنقطع خلالها عن الانترنت، ولكنّي سأحرص على أن أجلب معي ما أستطيع من الصور والفيديو.
وصلتني رسالة من مركز عاصمة الولاية تفيدني بأن علي الذهاب إلى مركز استخراج الرخص ليقوموا بإعادة تقييمي إن كنت جديرا بالقيادة أم لا، وذلك لكثرة المخالفات التي احتسبت ضدي. وقبل أن تتسرع بالحكم علي وتصنفني من ضمن الشباب السعودي -الطائش- الذي يقطع الإشارات الحمراء، ويقوم بعملية دوران يسارية من أقصى اليمين، ثم يجعل من كتف الشارع صدراً له يسير به بسرعة تتمنى بسببها السيارة أن لو لم تكن قد خلقت .. أقول قبل أن تحكم علي بكل ذلك -ولك كل الحق إن كنت قد سرت بأحد طرق الرياض لنصف ساعة- دعني أبين لك ماهي المخالفات التي حصلت عليها واستحقت ذلك الاستدعاء. منذ أن قدمت إلى أمريكا عام 2006 تحصلت على ثلاثة مخالفات هنّ كالتالي:
عام 2006: كنت أقود السيارة بسرعة 40 ميلا في شارع سرعته المحددة 30 ميلا. أوقفني رجل المرور للعشرة أميال التي استمتعت بها، ومخالفة سرعة.
عام 2007: كانت الساعة قرابة الواحدة فجراً، وكنت أسير في شارع فرعي لا يوجد به مخلوق واحد في ذلك الوقت، وصادفتني لوحة “قف” -كالتي كنت تشاهدها في (الأمن والسلامة)- فخففت من السرعة إلى قرابة الوقوف وتأكدت من عدم وجود أي مركبة أو عابر للطريق ثم واصلت بالقيادة لأتفاجأ بالأنوار العالية لسيارة الشرطة من خلفي تطلب مني الوقوف -على جنب-. بالطبع أوضح لي رجل المرور أن علامة “قف” لا تعني “تقريبا قف”!
عام 2009: كنت مسافرا وأسير بسرعة 70 ميلا. بعد 8 ساعات من القيادة، ونصف ساعة للوصول إلى مدينتي دخلت إلى أحد القرى القاطعة للطريق ولم أخفف من السرعة حتى توافق السرعة المحددة ليكون رجل المرور أول المهنئين بسلامة الأسفار ومعها مخالفة شكر وتقدير.
كانت تلك هي المخالفات الثلاث. والتي بالمناسبة كانت تعطى إلي بكل احترام وأدب من رجل المرور، وكانوا جميعهم يختمون قولهم بأن من حقي أن أرفضها وبأن أمثل أمام القاضي وأوضح له كيف أخطأ رجل المرور ولماذا لا أستحق المخالفة. عموما، ذهبت في الموعد المحدد إلى مركز استخراج الرخص ووجدت الموظف المسؤول بمقابلتي بانتظاري. رحب بي وأدخلني إلى مكتبه، ثم أجلسني على الكرسي المقابل له وقال لي: الآن أخبرني عن قصة كل مخالفة. أخبرته بما ذكرته لكم أعلاه وكيف أنني كنت وما زلت سائقا مطيعا لأنظمة المرور ولكنها الهفوات الصغيرة التي توقع بي. نظر إلي وسألني: فيما تستخدم السيارة؟ فأجبته بأنني أستخدمها للذهاب إلى الجامعة وفي شراء طعامي وحاجياتي الخاصة. فقال لي: حسنا سنلغي رخصتك الحالية وسنعطيك رخصة مؤقتة تخولك بالقيادة إلى الجامعة فقط! ولك في يوم السبت فرصة من الساعة السابعة والنصف صباحا حتى الخامسة مساءاً للتبضع. نظرت إليه متفاجأً مصدوما وأجبته بسرعة: ولكنني أعزب! ويبدو أنه لم يفهم ما علاقة حالتي الاجتماعية بقيادة السيارة، فأوضحت له بأنني أعزب ولا أطبخ بالبيت وغدائي اليومي إما من ماكدونالدز أو كنتاكي، فكيف لي أن أعيش بدون طعام؟ أعتقد أن إجابتي كانت مفاجأة له من نواحي عدة. على كل حال رأف بي الموظف المسؤول وأخبرني بأنه سيسمح لي بالقيادة من الـ7:30 صباحا حتى الـ9:30 مساءاً لكل أيام الأسبوع. أخذ رخصتي وقطعها وأرجعها إلي، ثم أعطاني ورقة توضح بأنني مخوّل بالقيادة بالفترة المحددة ولمدة ثلاثة أشهر إذا لم أحصل خلالها على مخالفة أخرى فسيتم إعطائي رخصة جديدة بدون مقابل. ثم ختم كلامه بأن من حقي الاعتراض على حكمه عند القاضي. بدأت أتسائل لم يتلهف القاضي هنا على رؤيتي بينما هناك قد يطردني لأنني لم أضع على رأسي غترة؟
طردت تلك الأفكار الشيطانية، وخرجت من مكتبه وبيدي تلك الورقة ورخصتي المقطوعة .. وقد .. كنت .. سعيداً! نعم مع تقييد حريتي في القيادة إلا أنني شعرت بأن هذا ما قد أحتاج إليه. قد لا أعد نفسي متهوراً طائشاً، ولكن تلك الأمور “البسيطة” التي أتجاهلها قد تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه. ثم إن الجانب الآخر من سعادتي هو شعوري بأنني أسير مع التيار. فكما يقف من هو أمامي عند إشارة “قف”، أقف أنا من بعده. وعندما أقود في حدود السرعة القانونية لا أعتدي على حق أحد أو أجد من يضايقني لأفسح له الطريق ليسير بسرعته العالية. يتفق الرقم الذي أراه في عدّاد سيارتي مع رقم عدّاد السيارة التي بجانبي مع الرقم الذي أراه في لوحة السرعة القانونية. نعم هو “التناغم” الذي أفتقده في بلدي.
.
وطالما أننا في سيرة السيارات والطرق، فقد اكتشفت مؤخرا أن جوجل قد قامت بتحديث بيانات خدمة Street View التابعة لـ Google Maps، وقد أصبحت مدينتنا متوفرة للمشاهدة. قمت فورا بالتوجه إلى عنوان شقتي لأرى هذا المنظر الجميل :